المامقاني
292
غاية الآمال ( ط . ق )
لم يستوثق منها فإن أقام البيّنة أنه ربطها فاستوثق منها فليس عليه شيء ورواية أبان بن عثمان عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) أنه قال في الرّهن إذا ضاع من عند الرّاهن من غير أن يستهلكه رجع بحثه على الراهن فأخذه وان استهلكه تراد الفصل بينهما مضافا إلى قوله ( تعالى ) : « وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » وقوله ( تعالى ) : « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » وقوله ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » على أحد الوجوه وتفصيل المقال ان هذه الآية الأخيرة محتملة لوجوه أحدها أن تكون ما مصدرية ويكون المعنى اعتدوا عليه بمثل ما اعتدائه وتكون وجه الشبه كون كلّ منهما ممّا يصدق عليه مفهوم الاعتداء من دون نظر إلى إفادة تحديد مقدار الاعتداء وعدم التجاوز عن القدر الَّذي اعتدى به الشخص الأوّل ولا إلى بيان شيء من الكيفيات والخصوصيات ويصير المحصل هو الرخصة في تدارك ما أتلفه المتلف بأخذ بدله من دون تعيين صنف البدل أو شخصه ثانيها أن تكون ما مصدرية ( أيضا ) والمراد بالمماثلة والتشبيه هو التشبيه الخاص بمعنى عدم التجاوز في مقدار الاعتداء عن مقدار اعتداء الأوّل من دون نظر إلى المعتدى به ولا يفيد كون المعتدى به الثاني مثلا للأول أو قيمة ثالثها أن تكون ما مصدرية ويكون المراد المماثلة أو التّشبيه في الاعتداء أو المعتدى به وهذا على قسمين أحدهما أن يكون المراد بيان حال النّوع المعتدى به بأن يكون الاعتداء بالمثل في النّوع الَّذي هو مثلي وبالقيمة في النّوع الَّذي هو قيمي وان اتفق نادرا في القيمي المشابهة بين التالف والعوض في جميع الأوصاف التي هي محط انظار العقلاء في المالية كما قد يتفق في الكرباس وفي الإماء والعبيد وعلى هذا فلا يكون المناط إلا القيمة حتى في صورة المماثلة فيما بيّناه والى هذا بنظر كلام الشيخ ( قدس سره ) حيث استدل بالآية على ضمان المثل بالمثل والقيمي بالقيمة بتقريب ان مماثل ما اعتدى به هو المثل في المثلي والقيمة في القيمي وثانيهما أن يكون المراد بيان حال الأشخاص بأن يكون كل جزئي من جزئيات الشخصية التي هي من مال المعتدى إذا كان مماثلا للمعتدى به جاز أخذه بدلا له ولو لم يكن من مقتضى نوعه المماثلة كما في مثال الكرباس والمماليك وعلى هذا تدل الآية على جواز أخذ المثل في بعض افراد ما هو قيمي بحسب النّوع فقد تحصل مما بيناه في الآية وجوه أربعة وهناك وجه خامس وهو أن تكون ما موصولة عبارة عن المعتدى به والتقدير فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى به عليكم وإذ قد عرفت ذلك فلمت ان ما يصحّ الاستدلال بها من الوجوه المذكورة انما هو الوجه الأوّل دون الوجوه الأخر الا ان ( يقال ) ان إثبات الخاص يستلزم إثبات العام فإنه إذا ثبت الرخصة في الاعتداء بمقدار الاعتداء الأول أو بما يماثل المعتدى به نوعا أو شخصا ثبت ان المعتدى ضامن ويجب عليه دفع البدل هذا وعندي انه لا وجه للاستدلال بالآية على أصل الضمان ووجوب دفع البدل على المعتدى لا على الوجوه الأخر ولا على الوجه الأوّل لأن غاية ما تفيده الآية انما هو كون المعتدى عليه مرخصا في أخذ المثل أو القيمة وثبوت الرخصة في حقه لا يقيد ( يقتضي ) وجوب الدفع على المعتدى فلو فرض ان المعتدى فلو فرض ان المعتدى عليه غافل عن أن المعتدى أتلف ماله أو جاهل ولكن المعتدى عالم باعتدائه وملتفت إليه لم يتأت من الآية انه يجب عليه دفع البدل إلى المالك وانما يتأتى منها ان المعتدى عليه مرخص في الاعتداء بمثل ما اعتدى عليه إنشاء وأين هذا من إثبات وجوب دفع البدل على المعتدى بل نقول إنه لو كان الاعتداء بالمثل واجبا على المعتدى عليه لم يستلزم وجوب الدفع على المعتدى بنفسه حتى يكون ذلك من وظيفته في صورة جهل المعتدى عليه أيضا اللهم الا ان يدعى الملازمة عرفا بين ترخيص المعتدى عليه في الاعتداء بالمثل وبين ضمان المعتدى ووجوب دفع البدل عليه وهي ممنوعة وامّا الثالث فسيجيء الكلام عليه عند تعرض ( المصنف ) ( رحمه الله ) له قوله بلا خلاف الا ما يحكى عن ( ظاهر ) الإسكافي قال في ( الجواهر ) أنه قال إن تلف المضمون ضمن قيمته أو مثله ان رضى صاحبه انتهى وظاهره انه يضمن القيمة ابتداء ثم إنه يجوز له إعطاء المثل ان رضى صاحبه بذلك والمضمون مطلق شامل للمثلي والقيمي لكن قال صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) لعله يريد القيمي قوله انه ما يتساوى اجزاؤه من حيث القيمة قال الشيخ ( قدس سره ) في ( المبسوط ) فما له مثل ما تساوت اجزائه ومعناه ما تساوت ( صح ) قيمة أجزائه فكلّ هذا له مثل كالحبوب والادهان والتمور والأقطان والخلول التي لا ماء فيها والأثمان ونحو هذا كله له مثل فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما ردّه وان كان تالفا فعليه مثله انتهى قوله والمراد باجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة أشار بهذا التفسير إلى دفع ما أورد على التعريف المذكور من أن من جملة المثلي بل من أظهر أفراده عندهم الحنطة والشعير ونحوهما ولا ريب ان كلا منهما مشتمل على جنّات مشتملة على قشور ولباب فأجزاء الصّبرة الخاصّة مثلا على قسمين قشور ولباب ومعلوم ان هذين الجزئين ليسا متساويين من حيث القيمة ووجه الدفع ان المراد باجزاء الحنطة مثلا هي الأجزاء التي يصدق عليها الحقيقة ( فيقال ) عليها أنها حنطة ومثلا ليست إلا الحصّة المشتملة على الحبّات المشتملة ( صح ) على القشور واللباب فتخرج الأجزاء التي لا يصدق عليها اسم الحقيقة التي هي الحنطة أعني القشور وحدها أو اللباب وحدها هذا ولكن يبقى بعد ذلك أمور الأوّل انه أورد المحقق الثاني ( قدس سره ) على التعريف المذكور في ( جامع ) ( المقاصد ) فقال بعد حكايته عن الشيخ بقوله وهو ما تساوى قيمة أجزائه كالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والادهان وما أشبه ذلك ما نصّه ونقض بالثوب ونحوه فإن قيمة أجزائه متساوية وليس بمثلي هذا والمحقق المذكور وان تصدّى لدفع النقض بعد ذكر حمل من الكلام بقوله و ( الظاهر ) ان المراد بهذا ضبط المثلي بحيث يتميز فصل تميز لا التعريف الحقيقي أو يكون قوله كالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والادهان داخلا في التعريف فيكون انكشافه بهذه الأمثلة انتهى الا ان المحقق الأردبيلي ( رحمه الله ) أورد عليه بقوله ويمكن ان ( يقال ) ان هذا لا ينفع إذ الغرض من فضل التميز معرفة المثلي ليحكم عليه بالحكم المخصوص به فان حصل التميز التام بحيث امتاز عما عداه فيحصل المطلوب ويصلح التعريف لدفع النقوض والا فما حصل المطلوب وبقي مجهولا غير متميز وان ميز في الجملة وذلك غير كاف هنا وأيضا ان أخذ الحنطة إلى أخرها في التّعريف لا ينفع لأنه إن اقتصر على ذلك المذكور فقط كما هو ظاهر كلامه لمن البيانية ففيه انه غير جامع لخروج كثير من المعرف مثل الادهان والا لبان والدبس والماء وغيره على أنه ما كان في عبارة التعريف منحصرا بل قال وما أشبه ذلك وان أراد أشباهها كما كان فما حصل التميز التام إذ يمكن ان ( يقال ) ان الثوب من ذلك والأرض ( كذلك ) أوليس الا لبان منه والدبس والماء ( كذلك ) وكذا ان لم يرد الحصر في ذلك وان أراد ان الغرض الانكشاف لا التّعريف